سقوط



أضيع..

أهوي في البئر السحيق و حدي..

أحد لا ينتبه..

لحظة..

 أرى من العمق يدا تمتد للمساعدة..

أعدها إليك أيها الأبله..

 و احم نفسك مني..

فلا أحد يعود من بئره السحيق كما كان.

 

ظلي الذي اختفى



ربما ظن أبي وقتها أن الأمر لا يتجاوز حدود هلاوس الصغار و خوفهم بعد مشاهدتهم فيلما من أفلام الرعب الساذجة .. في الغالب هو مخطأ .. عندما يأتيك ولدك ليخبرك بأنه رأى الشيطان ذاته فإن الإكتفاء بجعله ينام بجوارك هذه الليلة لن يكون حلا جيدا خاصة أن الشيطان ما زال موجودا هناك يتربص به.
****
يقولون أن الصغار يكونون أكثر شفافية من غيرهم..يقولون أن من قاربوا الموت يكونون أكثر شفافية من غيرهم..أقول أني كنت أكثر شفافية من غيري عندما كنت طفلا..
****
كنت أراه حقا .. في البداية كطيف أسود يظهر و يختفي فجأة بجوارك..بعد ذلك تراه قريبا منك أكثر..تشعر به و بتقلب أحشائك رعبا من شيء لا تعلمه..تلمحه بطرف عينيك لترى كيانه الأسود تماما كظل شيطان,له أعين حمراء كدم طفل بريء أثار رعبه..بلا أيد و لا أرجل .. فقط شيء أسود في قامتك بتلك الأعين المخيفة و بلا معالم أو ملامح .. و الأمر بالمناسبة ليس تلك الظاهرة الفسيولوجية التي ترى فيها أشياءا عجيبة تتحرك عند ركن عينك في الظلام ..تلك الخدع البصرية لا تجدي معي ببساطة لأن كل ما حدث كان في وضح النهار..عندما تمتلىء الغرفة بنور الشمس حتى تتشبع به..ساعتها يظهر فتراه و تركض صارخا في أرجاء البيت بينما تلمحه خلفك بين ثانية و أخرى..نظرة خاطفة يهيأ لك فيها أنه يبتسم بسخرية رغم عدم تمييزك لوجود فم أو وجه أصلا..لكن عيناه كانت تشي بذلك..كانت لحظات قاسية.
****
هذا اليوم كان مختلفا..إذ لم يكتف فقط بمطاردتي أو الظهور و الإختفاء كما يفعل دائما..دخلت الغرفة فوجدته..أول مواجهة مباشرة صريحة بيننا..لم يختف كما كان يفعل في اللحظة التي أراه فيها..وقف على الهواء صامتا ينظر إلى بعينين ثابتتين..إلا أنه كان يعرض عرضا..شعرت بذلك..أراد أن يعطيني عيناه دون مقابل..كانت عينا قاتل اصيل..و كنت صامتا.. لا أذكر هل هربت مذعورا قبل أن يختفي أم أنه اختفى قبل أن أهرب؟..النتجية واحدة:أن هذا هو آخر ظهور له و أنني رفضت العرض المثير..في هذا اليوم اكتفيت بأن أحكي لأبي ما حدث بينما هو ينظر إلى بوجه ضاحك لم أدر له سببا ..اكتفيت بالنوم معه هذه الليلة.
****
حقا لا أدري ما كان هذا؟..شيطان من اولئك الذين يظهرون للأطفال ليمسوهم و يضحون فجرة فاسقين كما تقول بعض كتب الدين؟..ظل حر لا صاحب له؟..شبح أو روح ملعونة؟..لا يهم ..فليذهب إلى الجحيم لو أراد..المهم أنني حائر الآن فيم أفعله و هو يقف أمامي بعد أن ظهر مرة أخرى.. بنفس الإبتسامة المتخيلة و نفس العينين الذين يعرض علي أخذهما..أريد حقا أن أمتلكهما الآن..هما مغريان بصورة مفزعة..لن تحب عينا قاتل كما ستفعل عندما تراهما ..لكنك لن تستطيع..هو الآن بلا عينين 0

محاولات-فاشلة-للتفلسف


الرعدة الأولى التي تتملكك عندما تستمع إلى صوت كمان, أوعود ,أو آهة أوبرالية أنيقة هي نفسها تلك الرعدة التي تتملكك عندما تمس يد حبيبتك لأول مرة..الفارق أنك في المرة الأولى قد أحسست الموسيقى..في المرة الثانية كنت قد لمست الموسيقى ذاتها0
****
لماذا نحلم؟..أعلم أن السؤال شغلك كثيرا و أنت صغير..و في كل مرة تأتيك الإجابة محملة بصوت منير: لو بطلنا نحلم نموت..لا تقتنع..لكنك تكف عن التساؤل لأن هناك المزيد مما تريد أن تعرفه..هاك الإجابة يا رجل : نحن نحلم كي لا نقتل..لأن القتل ممتع حقا..و الخالق يعلم هذا..الحلم إذن هو عادتنا السرية التي نمارسها دائما كي لا نسفك المزيد من الدماء..القتلة فقط هم أولئك الذين لا يحلمون ..لذلك هم مقدسون.
****
أعشق المدن المظلمة..تبدو في سكونها جميلة كامرأة مخدرة في قبلة طويلة..نسيم الليلل البارد يوهمك بأنك في السماء..ما زالت المقاهي تحوي بعض الشباب العابث..يتحدثون و يضحكون و أحيانا يتشاجرون على سبيل المزاح..تؤذيك ألفاظهم القبيحة إلا أن مرحهم الحقيقي ينتقل إليك مذبذبا مع الهواء ..أفضل المدن المظلمة هي تلك الميتة ..حيث لا يوجد جنس من المخلوقات في المحيط..صمت..هدوء..ظلام..حيرة..بحث..حزن..ضحك..أنت وحدك..لن يراقبك أحد..لن يهتم بك أحد..أنت الآن كم مهمل..و ربما كانت هذه هي الحالة الوحيدة التي ستمارس فيها حريتك دون أن تكون مسئولا..أعشق المدن المظلمة..لأن أمي لا ترضى أن أعود للمنزل متأخرا0
****

الأنانية:أن تفكر في الجميع دون أن تستطيع فعل شيء من أجلهم.
****
الحياة:خط مستقيم يصل بين نقطتين خفيتين..المشكلة أن الخط مرسوم على ورقة بيضاء..بلون أبيض.
****
أنا:غبي آخر من أولئك الذين يبحثون عن وطن رغم أنهم يسكنونه فعلا..إلا أنهم لا يكفون عن البحث.

تراجيديا الآلهة


في اليابان..بإمكانك إذا ما أصابك الكرب أن تترك المدينة المزدحمة عبر ذلك الطريق الضيق الذي اصطفت على جانبيه أشجار التوت أو(الساكورا)كما يطلقون عليها ..تتساقط عليك الأزهار الوردية و يداعبك نسيم هادئ بارد بينما أنت تتجه إلى ذلك الجبل القاتم هناك..حيث الكثير من الصخور و الرمال و بعض الخضرة..تنظر إلى المدينة من أعلى لتدرك فجأة كم أنت ضئيل ..لن يقف الكون عندما تحزن مرة..أو عندما تحزن طوال عمرك..هنا من المباح لك أن تصرخ كما تشاء لتفرغ أحزانك..
في اليابان..ليس من حقك أن تحزن في الربيع.
****

في تركيا..بإمكانك إذا ما ابتليت أن تيمم شطر البحر حيث تجلس أمامه مباشرة على واحدة من تلك المقاعد الخشبية المجهزة للعامة ليلقوا بأحزانهم على الماء الصافي..رائحة اليود..طيور النورس بالجوار تحلق فوق الصفحة الزرقاء لتغمس منقارها فيها لتخرج منها إما ظافرة أو خائبة..و لربما وجدت أحدا منهم عاد ليجلس بجوارك فتنظر ريشه الأبيض الناعم بينما هو يرمقك في دهشة ليخبرك أن الله لم يمت الأمل بعد..يقولون أن التوحد مع الطبيعة كاف لتبكي ..هذا هو ما تريده على أية حال..
في تركيا .. من حقك أن تحزن فقط أمام البحر.
****


الثالثة ظهرا..الإسكندرية..أجلس على واحدة من تلك المقاعد المضلعة على الرصيف بينما أدخن سيجارة و استمع إلى منير ..اختفت رائحة اليود و الهواء المنعش و لم يعد هناك سوى الحر و الغوغائيون من أهل الريف الذين افترشوا الرصيف ليناموا عليه بعد صراع طويل مع أمواج الشاطيء القريب جدا..بجواري فتى في مثل سني أو يزيد يبدو أنه من سكان المدينة ..ألقى بخفه البلاستيكي أمام المقعد و جلس جلسة الإكتئاب الشهيرة حاضنا ركبتيه بمرفقيه ..ينظر إلي بين الحين و الحين إلا أنني تجاهلته..فقط نظرت إلى البحر في جمود و بلادة..المدينة أضحت كئيبة صغيرة ضجرة بساكنيها..المدينة مقتولة ..هم لا يدرون لماذا؟..الإسكندر لا يدري لماذا ؟..جوهر الصقلي لا يدري لماذا؟..كلهم حزينون يا رجل ..(ست) هو الوحيد الذي يقهقه ملئ شدقيه..هو مازال يجلس هناك يفعل ما يشاء.. (ايزيس) جمعت أشلاء زوجها و لم يتبق سوى القلب..تبحث عنه منذ عشرة الآف سنة..و (حورس) قد سئم من كل هذا ففرد جناحيه و طار بعيدا..
في مصر .. ستحزن كثيرا..لكن البحر ملوث و النيل كذلك..و الجبال قد ارتدت ثياب الحداد منذ زمن ..لن تنفعك المساجد و لا الكنائس و لا قبور الأولياء والقديسين..كيراليسون..كيراليسون..كيراليسون 0

سأكون هناك



يبدو أن نسبة السيروتونين و الدوبامين قد قلت في مخي عن اللمستوى الطبيعي ..لذا سأسافر للإسكندرية بضعة أيام للإستجمام..سأشم اليود القوي و أمشي بجوار البحر و أشرب خروب كلية الطب في شارع خالد ابن الوليد, سأقرأ كتابا أو اثنين..سأكف عن الكتابة..اللعنة!!..خسرت الكثير حتى أكتب و الكارثة أنه لم يعد هناك مجال للعودة أو التعويض..ربما أكون قد خرجت عن حالة الإكتئاب هذه عندما أعود..و ربما لا ..لأن الأمر قاس حقا0

لا يوجد خبز في البيت


عمي سعيد , 43 عاما ,جلباب بني تقليدي ذلك الذي ارتداه و استقر فوقه (جاكت) بذلة رقيق الحال ,أعطته تجاعيد وجهه و شعره الأبيض عمر شيخ في أرذل العمر رغم صغر سنه النسبي.. بينما أعطته الغترة بلونيها الأبيض و الأسود طابعا بدويا أو شاميا.
عمي سعيد يقف مع من يقف في الطابور أمام الحاجز الكئيب بينما يفحص الجنود بروتينية- لم تخل من شك- بطاقاتهم و هوياتهم ..من هم فوق الأربعين فقط هم أولئك الذين عفا عنهم القدر للحظات يستطيعون خلالها الصلاة في المسجد المقدس..عمي لم يكن يعلم بعد أنهم رفعوا السن إلى الخمسين بعد العملية التفجيرية الأخيرة ..اتسعت عيناه هلعا عندما استثناه الجندي الأبيض بغلظة من وسط الطابور البطيء الحركة..أخبره بعربية ركيكة أنه من الممنوع عليه الدخول..اعترض..صرخ..ضرب الجندي في صدره بغل رجل ظلم مذ فتحت عيناه على الحياة,لكنها لحظة مرت قبل أن يجد صدغه قد ارتطم بالأرض في عنف و قدم الجندي على صدغه الآخر..سالت دموعه الساخنة على الإسفلت.
ليست دموع رجل فقد كرامته ,بل دموع رجل لم يعد يملك شيئا سوى الهروب من أنصاف بشر في بيته الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة..
لم يعد يملك سوى الصلاة..و حتى هذه أصبحت بعيدة المنال...
من ساعتها اختفى عمي سعيد..
البعض يقول أن الله اختاره بالجوار..
يؤكد البعض انه هاجر لمدينة بعيدة حيث أقاربه بعد هدم بيته..
بينما يقسم آخرون أنه الآن أسير في سجن عبري..
المهم أنه لم يعد يستطيع الصلاة 0

silence




I am depressed..


sorry.