في اليابان..بإمكانك إذا ما أصابك الكرب أن تترك المدينة المزدحمة عبر ذلك الطريق الضيق الذي اصطفت على جانبيه أشجار التوت أو(الساكورا)كما يطلقون عليها ..تتساقط عليك الأزهار الوردية و يداعبك نسيم هادئ بارد بينما أنت تتجه إلى ذلك الجبل القاتم هناك..حيث الكثير من الصخور و الرمال و بعض الخضرة..تنظر إلى المدينة من أعلى لتدرك فجأة كم أنت ضئيل ..لن يقف الكون عندما تحزن مرة..أو عندما تحزن طوال عمرك..هنا من المباح لك أن تصرخ كما تشاء لتفرغ أحزانك..
في اليابان..ليس من حقك أن تحزن في الربيع.
في اليابان..ليس من حقك أن تحزن في الربيع.
****

في تركيا..بإمكانك إذا ما ابتليت أن تيمم شطر البحر حيث تجلس أمامه مباشرة على واحدة من تلك المقاعد الخشبية المجهزة للعامة ليلقوا بأحزانهم على الماء الصافي..رائحة اليود..طيور النورس بالجوار تحلق فوق الصفحة الزرقاء لتغمس منقارها فيها لتخرج منها إما ظافرة أو خائبة..و لربما وجدت أحدا منهم عاد ليجلس بجوارك فتنظر ريشه الأبيض الناعم بينما هو يرمقك في دهشة ليخبرك أن الله لم يمت الأمل بعد..يقولون أن التوحد مع الطبيعة كاف لتبكي ..هذا هو ما تريده على أية حال..
في تركيا .. من حقك أن تحزن فقط أمام البحر.
****

الثالثة ظهرا..الإسكندرية..أجلس على واحدة من تلك المقاعد المضلعة على الرصيف بينما أدخن سيجارة و استمع إلى منير ..اختفت رائحة اليود و الهواء المنعش و لم يعد هناك سوى الحر و الغوغائيون من أهل الريف الذين افترشوا الرصيف ليناموا عليه بعد صراع طويل مع أمواج الشاطيء القريب جدا..بجواري فتى في مثل سني أو يزيد يبدو أنه من سكان المدينة ..ألقى بخفه البلاستيكي أمام المقعد و جلس جلسة الإكتئاب الشهيرة حاضنا ركبتيه بمرفقيه ..ينظر إلي بين الحين و الحين إلا أنني تجاهلته..فقط نظرت إلى البحر في جمود و بلادة..المدينة أضحت كئيبة صغيرة ضجرة بساكنيها..المدينة مقتولة ..هم لا يدرون لماذا؟..الإسكندر لا يدري لماذا ؟..جوهر الصقلي لا يدري لماذا؟..كلهم حزينون يا رجل ..(ست) هو الوحيد الذي يقهقه ملئ شدقيه..هو مازال يجلس هناك يفعل ما يشاء.. (ايزيس) جمعت أشلاء زوجها و لم يتبق سوى القلب..تبحث عنه منذ عشرة الآف سنة..و (حورس) قد سئم من كل هذا ففرد جناحيه و طار بعيدا..
في مصر .. ستحزن كثيرا..لكن البحر ملوث و النيل كذلك..و الجبال قد ارتدت ثياب الحداد منذ زمن ..لن تنفعك المساجد و لا الكنائس و لا قبور الأولياء والقديسين..كيراليسون..كيراليسون..كيراليسون 0

8 التعليقات:
14 يوليو, 2008 10:07 ص
احنا يااحمد بجد ملناش حل لا فى الحزن ولا الاكتئاب
انا بفكر نعمل رحلات جماعيه لليابان ولتركيا
بس انا شخصيا لو روحت مش ناويه ارجع
بوست جميل بجد
تحياتى لك
15 يوليو, 2008 09:32 ص
والحل اذن أحد ثلاثة لا رابع لهما
اما ان تكون يابانيا وهذا جد صعب على ما اعتقد
واما ان تكون تركيا وهذا ايضا ليس باليسير
والحل الثالث ان تتجنب الجلوس على الرصيف في الاسكندرية في الثانية ظهرا وانت تسمع منير جوار فتى في مثل سنك يجلس جلسة الاستسلام الشهيرة
يمكنك ان تقدم ساعتك اربعة عشر ساعة ثم تجرب الذهاب ثانية او تأخرها عشر ساعات وابحث ثانية عن رائحة اليود والهواء المنعش وربما تر شاطيء ميناء ميلانو الإيطالي على الجهة الاخرى قابع امامك مواطنيه يشتمون اليود ورائحة نفس البحر .
ولكني اعذرك واشعرك ومعك اردد
رحماك يا الله
اجدت الوصف جدا ، تحياتي لك
15 يوليو, 2008 05:10 م
حبيبى وصديقى أحمد المصرى
اتمنى لك أجازة سعيدة بالأسكندرية وان شاء الله هاكون عالنت قريب
ولي سؤال : ايه حكاية أدخن السجارة دى؟ انت عملت زى بقية الدكاترة ولا إيه؟
تحياتى لك وللعائلة
محمود سعيد
16 يوليو, 2008 12:49 م
رحيل:
و الله يا رحيل مانا عارف اعمل ايه..مخنوق خنقة غريبة..عايز اقرا و مش قادر..عايز اكتب و مش قادر..و آخري اقعد افكر افكر افكر..يلعن أبو التفكير..شكرا على تواجدك هنا بقالنا كتير مشفناش بعض هنا.
16 يوليو, 2008 12:50 م
أحمد سلامة:
حلولك توضح أنني سأموت منتحرا بحالة اكتئاب..أحد منهم لا يصلح للتأكيد..لكن زيارتك هنا تصلح وحدها للتخفيف عن المرء..شكرا لإطرائك.
16 يوليو, 2008 12:53 م
محمود سعيد:
ازيك يابني..أخبارك..انا رجعت من يوم السبت يا حبيبي و ياريتني ما رحت..بالنسبة لسؤالك فالإجابة بالإثبات..فقط أرجو ألا تمسك بوقا و تصدح فاضحا الأمر في المسجد المجاور لكم..الوضع لا يحتمل المزيد..شكرا لزيارتك و ياريت تبان عالنت شوية.
21 يوليو, 2008 09:19 ص
مش عارفه ليه لما فكرت
في اليابان و تركيا
فكرت بعيد عن مصر اكتئبت
أحلى حاجة في مصر
إنها عايشة معانا كل حالتنا
لما بكتئب بسمع منير برضوو بيقول
" الدنيا لو جارحه لونها لون فرحه "
================
طريقة السرد مميزه كالعادة
دمت بود
:)
22 يوليو, 2008 07:23 ص
و القادم أجمل:
أحلى حاجة في مصر إنها مصر..بكل حاجة حلوة فيها و حاجاتها الحلوة كتير..بس في كثير الأحيان بتفكر..و لما بتفكر بتكتشف إن الدنيا غلط..تجيلك حالة اكتئاب..تكتب كلام زي ده..بس القادم أكيد أجمل..مش كده برضه؟
إرسال تعليق